نذير حمدان
209
حكمة القرآن والحضارة
ويعلل ابن الأثير الأوسطية بقوله « 1 » : كل خصلة محمودة فإن لها طرفين مذمومين ، مثل السخاء وسط بين البخل والتبذير ، والشجاعة وسط بين الجبن والتهور ، والإنسان مأمور أن يتجنب كل وصف مذموم ، وتجنبه بالتعري منه ، والتبعد عنه ، فكلما ازداد منه بعدا ازداد منه تعريا ، وأبعد الجهات والأماكن والمقادير من كل طرفين ، فإنما هو وسطها ، لأن الوسط أبعد الجهات من الأطراف ، وهو غاية البعد عنها ، فإذا كان في الوسط ، فقد تعرّى عن الأطراف المذمومة بقدر الإمكان ، فلهذا كان خير الأمور أوساطها . إن الفرد الوسط قد يعاني من التوازن النفسي والسلوكي حتى تصبح الوسطية ملكة ينشأ عنها الأقوال والأفكار والتصرفات الحكيمة ، وهي معاناة غير يسيرة في كثير من الأحيان لأنها تتطلب رياضة نفسية وجهدا كبيرا لوضع الذات في الوسطية الحكيمة ، وهي إذ لا تحميه من الطرفية الشائنة وحدها وإنما تدفعه إلى أن ينفع الآخرين بها ، فكم من سداد رأي كان سببا في فض الخصومات ونزع الحزازات ورأب الصدع وجمع الشمل ، وكم من تصرف حكيم حسن قاد الآخرين إلى أحسن النتائج وأفضل العواقب ، ولذا فإن حكيما واحدا قادر على حماية الأفراد من مواطن الزلل ، وبإمكانه أيضا أن يدفعهم إلى حسن العلاقات وبناء الأواصر الاجتماعية على أحسن وجه . ولا ريب أن معاناة عديدة أخرى يتحملها في سبيل جمع الكلمة وتصفية النفوس ، معاناة مالية ونفسية وزمانية ولكنها قد تبوئه منزلة في قلوب الجميع ويخطى بمكانة خاصة فيهم حتى يصبح مثل الجماعة ونموذجها المحتذى . فالفرد الوسط : موهبة وتجربة وتضحية ووقاية وتقدم . ثانيا : الأمة الوسط : ووسطية الأمة من وجهة نظر القرآن ليست مجرد مبادئ وتشريعات وآداب مدونة في ثنايا آياته وحدها فإن تمثل هذه المبادئ والتشريعات والآداب في ( أمة الوسط ) هي مقصد القرآن ، فالوسطية أن تقوم أمة الإسلام بها وتتحرك في أطرها وتلتزم بفضائلها ، ولذا آثر القرآن الكلام عن هذه الأمة الوسط وليس عن الأحكام مجردة ، وعن
--> ( 1 ) جامع الأصول 1 / 319 ( 101 ) .